الشنقيطي
435
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
واعلم أنه لا إشكال في قوله تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] مع قوله فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) [ الأنبياء : 37 ] فلا يقال : كيف يقول : إن الإنسان خلق من العجل وجبل عليه ، ثم ينهاه عما خلق منه وجبل عليه ، لأنه تكليف بمحال ! ؟ لأنا نقول : نعم هو جبل على العجل ، ولكن في استطاعته أن يلزم نفسه بالتأني ؛ كما أنّه جبل على حب الشهوات مع أنه في استطاعته أن يلزم نفسه بالكفّ عنها ؛ كما قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النازعات : 40 - 41 ] . قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) [ 41 ] . في هذه الآية الكريمة تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن إخوانه من الرسل الكرام صلوات اللّه وسلامه عليهم استهزأ بهم الكفار ، كما استهزءوا به صلّى اللّه عليه وسلّم . يعني : فاصبر كما صبروا ، ولك العاقبة الحميدة ، والنصر النهائي كما كان لهم . وما تضمّنته هذه الآية الكريمة من ذلك جاء موضحا في مواضع من كتاب اللّه ؛ كقوله تعالى : ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [ فصلت : 43 ] ، وقوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] الآية ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) [ الأنعام : 34 ] ، وقوله تعالى : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 25 ) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 26 ) [ فاطر : 25 - 26 ] ، وقوله تعالى : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 4 ) [ فاطر : 4 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة . وقوله في هذه الآية الكريمة : فحاق بهم أي أحاط بهم . ومادة حاق يائية العين ؛ بدليل قوله في المضارع : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] ولا تستعمل هذه المادة إلا في إحاطة المكروه خاصة ؛ فلا تقول : حاق به الخير بمعنى أحاط به . والأظهر في معنى الآية : أن المراد : وحاق بهم العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ويستهزئون به ، وعلى هذا اقتصر ابن كثير . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : فَحاقَ أي أحاط ودار بِالَّذِينَ كفروا و سَخِرُوا مِنْهُمْ وهزءوا بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) أي جزاء استهزائهم . والأول أظهر ، والعلم عند اللّه تعالى . والآية تدل على أن السخرية من الاستهزاء وهو معروف . قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [ 42 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة : أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم : مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أي من هو الذي يحفظكم ويحرسكم بِاللَّيْلِ في حال نومكم وَالنَّهارِ